محمود توفيق محمد سعد
295
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
بالطوائف منهم ، ملتفتا إلى مقام الغيبة ؛ لأنّه أوقع في الهيبة ، فقال مقررا لخسارتهم : ( ألم يأتهم ) أي هؤلاء الأخابث من أهل النفاق ( نبأ الذين من قبلهم ) أي خبرهم العظيم الذي هو جدير بالبحث عنه ؛ ليعمل بما يقتضيه حين عصوا رسلنا ، ثمّ أبدل منه قوله ( قوم نوح . . . وعاد . . . وثمود . . . وقوم إبراهيم . . . وأصحاب مدين ) . . . ( والمؤتفكات ) أي في إعراضهم عن صيانة أعراضهم في اتباع لذائذ أغراضهم ، فأثمر لهم فعلهم بعد الخسف عموم انقراضهم . . . . . وعبر عنهم ب " المؤتفكات " ؛ لأنّ القصص للمنافقين الذين مبنى أمرهم على الكذب ، وصرف الأمور عن ظواهرها وتقليبها عن وجوهها ، فالمعنى أنّ أولئك لمّا قلبوا فعل النكاح عن وجهه عوقبوا بقلب مدائنهم ، فهؤلاء جديرون بمثل هذه العقوبة لقلب القول عن وجهه . ومادة " إفك " بكل ترتيب تدور على القلب ، فإذا كافأت الرجل ، فكأنك قلبت فعله فرددته إليه وصرفته عنك ، وأكاف الدابة شبه بالإناء الملوب ، والكذب صرف الكلام عن وجهه ، فهو إفك لذلك ، واللّه أعلم " « 1 » يبصر " البقاعيّ " الوشائج بين الموروث الدلالى لكلمة " مؤتفكات " وطبيعة السياق الخاصّ والعامّ للسورة ، وأشار إلى خصوصية هذه الكلمة في دلالتها على حقيقة حال المنافقين الذين السياق لهم ، وهي أيضا تلقى في قلب المتلقي إدراكا لما يبلغه النفاق من مقابح تنفر منها النفس السوية ، فإذا ما كانت الفطرة نافرة من فعلة الكافرين من أمة سيدنا لوط عليه الصلاة والسلام فإنّ النّفاق من باب هذه الفعلة ، فالفطرة السوية والقلب المعافى أشد نفارا . * * * وإذا ما كان البيان القرآنيّ الكريم قائما على ( التصريف البياني ) فإنّ هذا التصريف يتضمن ما يعرف بمشتبه النظم وقد سبقت الإشارة إلي شيء منه وقد يتضمن تصريفا في اختيار الكلمة من حيث مادتها في سياق ، ويختار أخرى في سياق آخر ، فلا يكون من مشتبه النظم لأنه ليس التصريف راجعا إلى نظم الكلمة بل إلى اختيارها هي من حيث مادتها أو صيغتها . من ذلك ما تراه في قول اللّه تعالى في سورة " البقرة ( ي : 60 ) : وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 8 / 540 - 543